سهيلة عبد الباعث الترجمان

356

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وعلاقته بالمشيئة الإلهية فيقول : " دل الدليل العقلي على أن الإيجاد متعلق بالقدرة ، وقال الحق عن نفسه أن الوجود يقع من الأمر الإلهي فقال : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » فلا بد أن ننظر في متعلق الأمر وما هو ، وما هو متعلق القدرة من تجمع السمع والعقل فنقول الامتثال قد وقع بقوله : " فيكون " والمأمور به إنما هو الوجود . . . فتعلق الخطاب بالأمر الإلهي لهذه العين المخصصة بأن تكون ، فامتثلت فكانت ، فلو لم يكن للمكن عين ولا وصف لها بالوجود يتوجه على تلك العين بالأمر بالوجود لما وقع الوجود " « 2 » . وعليه فإن العالم كله بما فيه من الموجودات بل والأشياء جميعها هي في نظر ابن عربي فيها من روح اللّه بمقدار ما استوعبت من ذلك النفخ الذي يقول فيه الحق فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا « 3 » ولذا فقد ظهرت النفوس المدبرة في الأجسام المنفوخ فيها من ذلك الروح الإلهي ، وتفاضلت فيما بينها بفضل ذلك النفخ لما فيه من أسرار الوجود ، فتسوية النشأة الإنسانية وكل ما أنشيء في الوجود من أجسام العالم الطبيعية والعنصرية قد عدّلها الخالق على الترتيب الذي تقتضيه الحكمة ، فكانت تسوية الأجسام هي تهيئة لقبول ما يريد أن يهبه الخالق في نفخه فيه من الروح الإلهي ، نفخ فيه من روحه فظهر فيه نفسا مدبرة لذلك الهيكل ولهذا قال : " أن للنفوس الأثر في الهياكل بحكم التدبير ولا تقبل من التدبير فيها من هذه النفوس إلا بقدر استعدادها . . . " « 4 » . وهكذا يصور ابن عربي استمرارية عملية الخلق والإيجاد والافتقار الدائم إلى الخالق الذي أعطى الخلق الحياة بالنفخ فكان وجود كل موجود بسريان الروح الإلهي فيه ، وعلى الوجه الذي أوجده عليه الحق تبعا لاستعداده لهذا الروح واستيعابه له وقابليته لهذا النفخ ، فكان بذلك وجود كل من الموجودات طبيعيّها وعنصريّها . وهكذا فإن عملية الخلق والإيجاد أو الإبداع تبدو كعملية مرتبطة بالمشيئة الإلهية إلى أبعد حد ،

--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية : 40 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 724 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية : 91 ك . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 724 .